النويري

12

نهاية الأرب في فنون الأدب

ومع هذا السّوق الشّديد ، والسّير العنيف ، كان من خبره عند وصوله إلى منزله أنه طلب المياومات التي أنفقت في غيبته ، مما يتعلق بالجيوش ، فتصفحها ، وتأملها ، وشطب منها على حسابه ما يحتاج إلى شطبه ، ثم ركب [ في الثلث الأخير [ 1 ] ] من الليلة المذكورة إلى قلعة الجبل المحروسة ، وجلس على بابها إلى أن فتحت بعد طلوع الفجر ، ودخلها ، وانتهى إلى الأبواب السلطانية [ 2 ] ، [ فدخل بعض الجمدارية [ 3 ] إلى السلطان ] وأخبره بوصوله ، فأنكر السلطان ذلك ؛ لخروجه عن العادة . فأعيد عليه القول أيضا بوصوله ، ثم قيل له : إنه قد وصل إلى الباب الشريف ، فأذن له ، وعجب من سرعة وصوله ، وجلس بين يدي السلطان ، وباشر وظيفته على عادته لوقته ، ثم خلع عليه في اليوم الثاني من مقدمه . وتأخر وصول نائب السلطنة إلى يوم الأربعاء الثاني عشر من شهر المحرم ، وهذا السوق الذي ساقه القاضي « فخر الدين » ما ساقه حاجّ قبله . وأما غير الحاج ، فبلغني من الثقات أن الشيخ شرف الدين بن القسطلاني - رحمه الله تعالى - لما أرسله الشريف الأمير نجم الدين أبو نمى أمير مكة - شرفها الله تعالى - منها إلى السلطان الأشرف صلاح الدين خليل بن السلطان الملك المنصور قلاوون ، وصل إلى قلعة الجبل المحروسة في اليوم الثالث عشر من يوم مسيره من مكة ، واجتمع بالسلطان ، وقرأ كتابه ، وكتب جوابه في يومه . وسأله السلطان عن راحلته : هل يعود عليها إلى مكة ؟ فقال : إنها خلأت [ 4 ] ، فأمره السلطان أن يختار لنفسه راحلة من الهجن السلطانية ، فاختار منها هجينا ، وترك راحلته ، وركب وعاد في بقية يومه إلى مكة شرفها الله تعالى بعد مضى اثنى عشر يوما ، فكانت مدة غيبته عن مكة منذ ركب منها إلى أن عاد إليها ثلاثة وعشرين يوما كوامل ، ويوم خروجه / منها ، ويوم دخوله إليها ، وهذا ما لم يسمع بمثله ، ولا استطاعه أحد قبله ، والله أعلم .

--> [ 1 ] في الأصل ( في الثلاث الأخر ) وما هنا من « أ » ص 2 . [ 2 ] ما بين الحاصرتين من « أ » ص 2 ، والسياق يقتضيه . [ 3 ] انظر السبكي ( معيد النعم ومبيد النقم ص 35 ) حيث جاء أن مفرد هذا اللفظ جمدار ، وهو الذي يتولى إلباس السلطان أو الأمير ثيابه ، واللفظ مركب من جاما - الثوب ، دار - ممسك ) . [ 4 ] يقال : خلأت الناقة ، إذا بركت فلم تقم ، أو حرنت من غير علة ( لسان العرب ) .